محمد أبو زهرة
1943
زهرة التفاسير
فالمتعنت لا يقنعه دليل مطلقا ، وإن ماضي هؤلاء الكافرين ينبئ عن حاضرهم ، ولذا قال تعالى : فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً إن الذين سألوا موسى من بني إسرائيل هم الذين التقى بهم ، وأخرجهم من استعباد فرعون إلى حيث الحرية والعزة . وسياق النص القرآني يفيد أنه منسوب إلى اليهود والذين عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم ، فكيف ينسب إلى الخلف ما قاله السلف ؟ والجواب عن ذلك أنه سبحانه ينسب القول إلى جنسهم ، لا إلى آحادهم ، ولا إلى طوائف منهم ، وإذا نسب القول إلى الجنس جاز أن يخاطب به الحاضرون وخصوصا أن التشابه في الجمود والتعنت قائم بين السلف والخلف ، فهم يحملون مثل ما وقع من أسلافهم ، وإن كان الأول أشد إعناتا ؛ لأنه أكبر ، ولما أفاض الله به عليهم من نعم على يد موسى عليه السلام - ولكن دأبهم الجمود ، فحاضرهم كماضى أسلافهم ، لا يهمهم قوة الدليل ، إنما يهمهم إعنات الرسول ، واتخاذ فعلات للإنكار بعد أن ثبتت على يد موسى - عليه السلام - البينات الحسية وتكاثرت ، حتى وصلت إلى تسع آيات بينات ، ومع ذلك طلبوا طلبا غريبا ، فلم يطلبوا أن يجيئهم كتاب كما طلبوا منك ، بل طلبوا أن يروا الله سبحانه وتعالى جهرة ، أي بالعين ، وأن يكون أمامهم معاينا ، ويطلب إليهم أن يصدقوا موسى ، وهو سؤال لا تتصور إجابته في الدنيا ، فالله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يرى في الدنيا ، وقد روى في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل هل رأى ربه ؟ فقال « إنه نور فأنى أراه » « 1 » وقد عاقبهم الله سبحانه وتعالى على ذلك عقابا شديدا ، ذكره بقوله سبحانه : فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ الصاعقة - فسرها بعض العلماء بأنها النار التي تنزل ، وهي التي يقرر علماء الكون أنها تنشأ من احتكاك سحابة موجبة بأخرى سالبة ، فيتكون من احتكاكهما ذلك اللهب ، وأنها أصابت هؤلاء فبهتوا لها ، فغشيهم من
--> ( 1 ) عن أبي ذر قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : « هل رأيت ربك » ؟ قال : « نور أنى أراه » [ رواه مسلم : الإيمان - نور أنى أراه ( 178 ) ، والترمذي : تفسير القرآن - ومن سورة النجم ( 3282 ) ، وأحمد : مسند الأنصار - حديث أبي ذر رضي الله عنه ( 20884 ) ]